أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
6
العقد الفريد
لصاحب الفلاحات وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء ، وإن افراخها لتستنزل بمثل الزّجل والصوت الحسن . قال الراجز : والطّير قد يسوقه للموت * إصغاؤه إلى حنين الصّوت وبعد ، فهل خلق اللّه شيئا أوقع بالقلوب وأشدّ اختلاسا للعقول ، من الصوت الحسن ، لا سيما إذا كان من وجه حسن ، كما قال الشاعر : ربّ سماع حسن * سمعته من حسن مقرّب من فرح * مبعّد من حزن لا فارقاني أبدا * في صحة من بدني وهل على الأرض رعديد « 1 » مستطار الفؤاد ، يتغنّى بقول جرير بن الخطفي : قل للجبان إذا تأخّر سرجه * هل أنت من شرك المنية ناجي إلا ثاب إليه روحه ، وقوي قلبه ؟ أم على الأرض بخيل قد تقفّعت « 2 » أطرافه لؤما ، ثم غنى بقول حاتم الطائي : يرى البخيل سبيل المال واحدة * إنّ الجواد يرى في ماله سبلا إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه ؟ أم هل على الأرض غريب نازح الدار بعيد المحل ، يتغنى بشعر علي بن الجهم : يا وحشتا للغريب في البلد النّا * زح ما ذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا * بالعيش من بعده ولا انتفعا يقول في نأيه وغربته * عدل من اللّه كلّ ما صنعا إلا انقطعت كبده حنينا إلى وطنه ، وتشوّقا إلى سكنه ؟
--> ( 1 ) رعديد : الجبان يرتعد ويضطرب عند القتال جبنا ( 2 ) تقفعت أطرافه : اجتمعت وتقبضت